بقلم محمد أمين

رئيس تحرير منصة "عرب لندن 

لم يتخيل أكثر أنصار فلسطين تفاؤلا ولو للحظة أن يتبنى حزب بريطاني عقيدة سياسية تقول بكل وضوح بعنصرية الحركة الصهيونية التي نشأت وترعرعت في بلد وعد بلفور، وتطالب تلك العقيدة بدولة فلسطينية واحدة، وبإنهاء نظام الفصل العنصري، وأن يجتمع في بلد الوعد المشؤوم آلاف ليوقعوا فيه على عهد بنبذ حركة تشكلت على أعين بلدهم، والدعوة لعزلها والنضال لإسقاط نظام الفصل العنصري الذي تمثله.

  أبعد من ذلك، تبنى الحزب رؤية سياسية مخالفة لأحزاب الخضر في أوروبا كلها، وتقوم على أنه لا يؤمن بأن حل الدولتين هو أفضل الخيارات لتحقيق العدالة لفلسطين، وإنما طالب الحزب بإقامة دولة فلسطينية  على كامل أرض فلسطين التاريخية، كما أكد المقترح دعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والتحرر، ورأى أن الحل الجذري للصراع يكمن في إقامة "دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة على كامل أرض فلسطين التاريخية، تكون القدس عاصمة لها".

  حجم التغير في الرأي العام في بريطانيا غير مسبوق، وباتت قضية فلسطين قضية انتخابية داخلية، وأحد المواضيع الرئيسية في برامج وخطابات الأحزاب السياسية، ومع صعود اليسار في المملكة المتحدة، تطرح قضية فلسطين كآخر قضايا الاستعمار التي لم تحل بعد، وتعالجها الأحزاب اليسارية باعتبارها قضية شعب يناضل للتخلص من نظام الفصل العنصري، والاستقلال، وتدرجها ضمن المنظومة القيمية والأخلاقية الحاكمة لبرامج الأحزاب وعقيدتها السياسية.

 وفي الوقت الذي تنفض فيه دول العالم خاصة الغربية منها عن الاحتلال الإسرائيلي، وينحاز رأيها العام لفلسطين، وتتصاعد شعبية وحضور حركة المقاطعة العالمية لإسرائيل، مازالت تل أبيب للأسف تجد موطئ قدم في بعض الدول العربية التي تصر على استمرار مسار التطبيع، رغم 3 سنوات من الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، والمفارقة أن بلد " بلفور" الذي أقام إسرائيل تغير رسميا وحزبيا وشعبيا، إلا أن بعض العواصم العربية  تبدو مصرّة على الذهاب بعيدا في الالتحام بدولة التطهير العرقي.

 أما الشعوب العربية فهي مجمعة علىرفض التطبيع، ويمكن رصد ذلك عبر مؤشرات مختلفة في الشوارع العربية  واستطلاعات الرأي التي تظهر بوضوح بأن الجماهير العربية تقف في مكان آخر تماما عن حكوماتها خاصة المطبعة منها، ويؤكد ذلك البون نتيجة " المؤشر العربي" الذي أظهر عام 2025  أن نسبة رفض الشعوب العربية اعتراف حكوماتهم بإسرائيل بلغت قرابة 90%. 

 فلسطينيا، فإن هذا التحول الكبير في الرأي العام لا يمكن أن تحصد نتائجه دون وجود قيادة وطنية فلسطينية موحدة تنطلق من برنامج وطني  يلخص المسألة الفلسطينية كما لخصها الخضر البريطانيون، ويطرح قضية فلسطين باعتبارها قضية شعب يسعى للتحرر من نظام فصل عنصري لجأ في السنوات الثلاث الأخيرة لممارسة التطهير العرقي والإبادة الجماعية بحق الشعب المحتل، ويسعى بشكل مثابر ومستمر لحسم الصراع عبر التطهير العرقي للشعب الأصلي، ونفي من يتبقى منه، ويتبنى ويمارس الفصل العنصري  ويعبر عنه بكل وضوح ببرنامج سياسي يجعل التهجير هدفا سياسيا، والقتل وعدا انتخابيا، ويصدر ذلك  عن وزراء في  حكومة الاحتلال، ومن رئيس الحكومة ذاته المطلوب للجنائية الدولية.

 الثابت الوحيد أن الشعوب لا تنهزم طالما أن روحها لم تهزم، والشعب الفلسطيني ليس استثناء تاريخيا وإن كان يواجه احتلالا واستعمارا فريدا من نوعه من حيث البطش والإبادة،  لكن الفرصة لازالت متاحة، بل إنها لم تكن متاحة من قبل بقدر ماهي متاحة اليوم  للوحدة واستثمار التعاطف الدولي العالمي لفرض أجندة وطنية فلسطينية على الإقليم والعالم، تقوم على إقامة دولة فلسطينية، والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بالتحرر والعودة، وكل ذلك يبدأ بوحدة في القيادة والبرنامج، والاتفاق على شكل المقاومة الأنسب للمرحلة الحالية من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني وثورته، واعتبار تعزيز صمود الشعب الفلسطيني في الداخل أهم موجه لأي استراتيجية وطنية  مقبلة.

 وكما لخص  حزب الخضر البريطاني المسألة الفلسطينية ووصَّفها بوضوح، فعلى القيادات الفلسطينية تلخيصها بذات اللغة البسيطة والواضحة، وبنفس المنطق السليم: 

شعب أعزل يواجه نظام فصل عنصري يرمي لإبادته عبر التطهير العرقي والإبادة، والحل الوحيد الذي يتوجب على العالم الدفع باتجاهه هو إنهاء نظام الفصل العنصري.

 

 

 

 

 

 




 

التالي فرنسا تشتعل… فهل انطلقت شرارة الربيع الأوروبي من قلب باريس؟