ITV تكشف: «مرتزق بتمويل إماراتي» نفّذ عملية سرية لمراقبة ناشط بريطاني في لندن
لندن- عرب لندن
كشفت شبكة «ITV News» في تحقيق استقصائي أن أبراهام غولان، وهو مقاتل سابق في الفيلق الأجنبي الفرنسي ويحمل الجنسيتين المجرية والإسرائيلية ويقيم في الولايات المتحدة، جاء إلى لندن في ديسمبر/كانون الأول 2016 لتنفيذ عملية سرية لمراقبة الناشط والأكاديمي البريطاني أنس التكريتي، في مهمة قالت الشبكة إنها كانت ممولة من الإمارات.
وكان غولان قد أسس شركة Spear Operations Group، التي حصلت على ملايين الدولارات من الإمارات لتشكيل فريق من قدامى المحاربين الغربيين وتنفيذ عمليات سرية في اليمن ضد شخصيات اعتبرتها أبوظبي «إرهابية»، من بينهم سياسيون اتهمتهم بالارتباط بجماعة الإخوان المسلمين.
وبحسب التحقيق، لم تنقطع علاقة غولان بالإمارات عندما انتقل نشاطه من اليمن إلى بريطانيا؛ إذ أظهرت سجلات إماراتية سرية اطلعت عليها «ITV News» أنه كان يتلقى أموالاً من أبوظبي خلال الفترة التي نفذ فيها مهمته في لندن، تشمل راتباً سنوياً من ستة أرقام ومكافآت مالية ضخمة، بينها دفعة بقيمة مليون دولار حصل عليها قبل أسابيع من وصوله إلى لندن مقابل عملية سابقة في اليمن.
هدف العملية: أنس التكريتي
كان التكريتي، البالغ آنذاك 57 عاماً، يشغل منصب الرئيس التنفيذي لـمؤسسة قرطبة، وهي مركز أبحاث مقره لندن، كما عُرف بنشاطه في التفاوض على إطلاق سراح رهائن في إفريقيا والشرق الأوسط وظهوره الإعلامي كمعلق سياسي.
وتقول «ITV» إن غولان كان يعتبر التكريتي هدفاً مهماً بالنسبة إلى أبوظبي، التي كانت قد أدرجت مؤسسة قرطبة ضمن قائمة جماعات صنفتها «إرهابية» عام 2014، إلى جانب جماعات ومنظمات بريطانية أخرى.
ووفق التحقيق، كان غولان قد تواصل في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 مع مستشار بريطاني أطلقت عليه الشبكة اسم"فيكتور"وسأله عما إذا كانت لديه «قنوات» تمكنه من الوصول إلى التكريتي أو مؤسسة قرطبة، قبل أن يطلب منه إبقاء الأمر “سرياً للغاية”.
جمع معلومات دقيقة عن تحركاته
بعد وصوله إلى لندن في مطلع ديسمبر/كانون الأول، التقى غولان بالمستشار في أحد فنادق وسط العاصمة، وكان برفقته عنصر سابق في القوات الخاصة الأميركية.
وقال «فيكتور» إن غولان أبلغه بأنه يعمل مع الإمارات، وأن أبوظبي تعتبر مؤسسة قرطبة والتكريتي على صلة بجماعات «إرهابية» في سوريا، وتتهمها بالمساهمة في «تطرف» شبان مسلمين وتجنيدهم للقتال إلى جانب تنظيمَي الدولة الإسلامية والقاعدة.
وأضاف غولان أن عملية مراقبة يجري إعدادها في لندن من أجل تعقب هذه الأنشطة، وأن هناك تمويلاً إماراتياً للعملية.
ولإغراء المستشار بالمشاركة، عرض عليه غولان 50 ألف جنيه إسترليني، ثم رفع المبلغ إلى 100 ألف جنيه، على أن تدفع الأموال عبر حساب خارجي وطرف ثالث.
كما طلب منه استدراج التكريتي إلى لقاء في الهواء الطلق، متظاهراً بأنه مؤلف يعد كتاباً عن جماعة الإخوان المسلمين. وفي رسائل متبادلة، طلب غولان معلومات تفصيلية عن عنوان منزل التكريتي، ومقر مؤسسة قرطبة، والمقاهي والمساجد التي قد يرتادها.
وأظهرت ملفات المراقبة التي شاركها غولان صوراً لمنزل التكريتي وسيارته ومقر عمله، إلى جانب صور جوية وخرائط تحدد الطرق المحتملة التي يسلكها من منزله إلى مكتبه والمداخل التي يستخدمها.
إشارات إلى احتمال الاغتيال
قال المستشار البريطاني إنه بدأ يشعر بقلق متزايد بشأن طبيعة المهمة، وإن اجتماعاً لاحقاً شهد تحولاً أكثر خطورة في الحديث.
وبحسب روايته، طرح شريك غولان سؤالاً حول ما قد يحدث إذا جرى «...» للتكريتي، ثم مرر إصبعه على عنقه في إشارة فهمها المستشار على أنها تعني إمكانية التخلص منه جسدياً أو اغتياله.
كما أصر غولان على عقد لقاءات إضافية مع المستشار، ووصل في إحدى المرات إلى منزله بسيارة يقودها سائق، لكن المستشار رفض استقباله في منزله، والتقاه لاحقاً في حانة.
وفي 15 ديسمبر/كانون الأول، أرسل غولان رسالة تفيد بأن الفريق أصبح جاهزاً للتحرك، قائلاً إنهم سيبدأون جمع المعلومات في اليوم التالي، قبل أن يغادر لندن بشكل مفاجئ. وبعد وصوله إلى واشنطن، أبلغ المستشار بأن «الفريق كله» لا يزال في لندن وأن العملية مستمرة.
لكن المستشار، الذي خلص إلى أن العملية قد تكون مرتبطة بمحاولة اغتيال، قرر الانسحاب ورفض تقديم أي مساعدة إضافية.
تحذير الشرطة البريطانية للتكريتي
لاحقاً، تواصلت الشرطة البريطانية مع أنس التكريتي وحذرته من وجود تهديد على سلامته، من دون أن تكشف له طبيعة التهديد أو مصدره.
وقال التكريتي إنه تلقى زيارتين من الشرطة إلى منزله، وإن الضباط أبلغوه بأن لديهم معلومات كافية للاعتقاد بأن أرواحاً قد تكون معرضة للخطر، وسألوه عما إذا كان يعرف ما يسمى Osman notice، وهو إجراء تحذيري تستخدمه الشرطة عندما تتوافر لديها معلومات عن تهديد محتمل للحياة.
ويقول التكريتي إنه لم يعرف حتى الآن الخلفية الحقيقية وراء تلك التحذيرات إلا بعد أن كشفت له «ITV News» تفاصيل العملية والرسائل المتبادلة بشأن مراقبته.
لماذا استهدفت الإمارات التكريتي؟
تعود جذور القضية إلى موقف الإمارات من جماعة الإخوان المسلمين، التي تعتبرها أبوظبي تهديداً أيديولوجياً وسياسياً لنظام الحكم.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2014، أعلنت الإمارات قائمة تضم 83 تنظيماً صنفتها ضمن الجماعات المحظورة بموجب قوانين مكافحة التطرف، وشملت القائمة ثلاث جهات بريطانية معروفة، هي الإغاثة الإسلامية، والجمعية الإسلامية البريطانية، ومؤسسة قرطبة.
وأثارت هذه الخطوة استفسارات داخل الحكومة البريطانية، حيث أظهرت مراسلات دبلوماسية أن مسؤولين بريطانيين طالبوا الإمارات بتقديم أدلة وأسباب تصنيف هذه المؤسسات على أنها متورطة في الإرهاب.
وكان والد أنس التكريتي، أسامة التكريتي، قد شغل سابقاً منصباً قيادياً في الحزب الإسلامي العراقي المرتبط بالإخوان المسلمين، وهو ما تعتبره مصادر «ITV» أحد أسباب اهتمام أبوظبي بنجله، رغم أن مؤسسة قرطبة نفت باستمرار وجود ارتباط رسمي لها بالجماعة.
وقال التكريتي إنه درس أفكار الإخوان ويؤمن بأنها تمثل أيديولوجية يسعى بعض أتباعها إلى التحرر من القمع، لكنه شدد على أنه بريطاني نشأ في بريطانيا ولم يرتكب في حياته أي فعل مخالف للقانون.
وفي المقابل، خلصت مراجعة حكومية بريطانية عام 2015 إلى عدم وجود أدلة على تورط الحركة في نشاط إرهابي داخل بريطانيا، واستمرت الحكومة البريطانية في رفض الضغوط الإماراتية لحظرها.
سجل سابق لعمليات اغتيال في اليمن
ولم يكن نشاط غولان في لندن منفصلاً عن عمله السابق في اليمن.
ففي عام 2015، استأجرت الإمارات شركة غولان لتنفيذ عمليات ضد شخصيات سياسية اعتبرتها مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، ووصفت أبوظبي البرنامج بأنه جزء من جهود مكافحة الإرهاب.
وكان من بين المستهدفين النائب اليمني أنصاف علي مايو، حيث زرع فريق غولان متفجرات في المبنى الذي كان يعمل فيه في محاولة اغتيال فاشلة دفعته لاحقاً إلى الفرار إلى السعودية. وتخضع هذه العملية حالياً لدعوى مدنية رفعها مايو في الولايات المتحدة.
واعترف غولان لاحقاً بوجود برنامج اغتيالات مستهدف في اليمن وبإدارته، قائلاً إن العملية كانت «مجازة من الإمارات ضمن التحالف». كما قال أحد أعضاء فريقه السابق إنهم كانوا، «من جميع النواحي العملية»، جنوداً إماراتيين.
أسئلة محرجة لبريطانيا والإمارات
وتشير «ITV News» إلى أن الأدلة التي جمعتها لا تثبت ما إذا كانت العملية في لندن قد صدرت مباشرة عن مسؤولين داخل الحكومة الإماراتية، أو أن غولان بادر بها وهو يعلم أن أبوظبي تعتبر التكريتي خصماً.
لكن التحقيق يؤكد أن غولان كان على كشوف الدفع الإماراتية عندما وصل إلى لندن، وأنه اعتبر نفسه يعمل لصالح الإمارات، فيما تشير رسائله إلى وجود شكل من أشكال التوجيه.
وبعد عودته إلى الولايات المتحدة بأسبوعين، أظهرت حسابات إماراتية داخلية، لم تكن معدة للنشر، مدفوعات ضخمة لغولان مقابل عمله خلال الأشهر السابقة، شملت ملايين الدولارات كرواتب ومكافآت.
ورفض غولان تقديم رد جوهري على نتائج التحقيق، بينما لم ترد سفارتا الإمارات في لندن وواشنطن على أسئلة «ITV News». وقالت وزارة الداخلية البريطانية إن سياستها المستمرة تقتضي عدم التعليق على المسائل الأمنية والاستخباراتية.
وتثير القضية، بحسب التحقيق، سؤالاً حساساً بالنسبة إلى السلطات البريطانية: هل يمكن اعتبار العملية نشاطاً مشروعاً قامت به جهة من دولة حليفة على الأراضي البريطانية، أم أنها تحولت إلى حملة عدائية سرية نفذتها جهة أجنبية داخل المملكة المتحدة؟