لندن- عرب لندن 

وصل وفد جامايكي إلى بريطانيا لتسليم الملك تشارلز عريضة تاريخية تطالب ببحث مسألة التعويضات عن العبودية، في خطوة تهدف إلى مواجهة الآثار المستمرة للجرائم التاريخية التي يقول مسؤولون جامايكيون إنها لا تزال تُلحق أضراراً بالدول التي كانت مستعمرات بريطانية.

ومن المقرر أن تُسلَّم العريضة إلى الملك تشارلز، الذي يشغل منصب رئيس دولة جامايكا، الاثنين، حيث تطلب منه استخدام صلاحياته لطلب رأي قانوني من اللجنة القضائية لمجلس الملكة الخاص، وهي أعلى جهة استئناف قضائية لبعض أقاليم ما وراء البحار البريطانية ودول الكومنولث.

وتريد جامايكا معرفة ما إذا كان النقل القسري للأفارقة إلى أراضيها كان قانونياً، وما إذا كان يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، وما إذا كانت بريطانيا ملزمة قانونياً بتقديم تعويضات لجامايكا عن العبودية وآثارها المستمرة.

وقالت وزيرة الثقافة الجامايكية أوليفيا غرانج، التي وصلت إلى لندن برفقة أعضاء من المجلس الوطني الجامايكي للتعويضات، إن الحصول على إجابة قانونية عن هذه الأسئلة يمثل خطوة أساسية لدفع ملف التعويضات قدماً.

وأضافت أن جامايكا، رغم قدرتها على الصمود في مواجهة أزمات حديثة مثل إعصار ميليسا، لا تزال تعاني من "مشكلات موروثة" تعود إلى حقبة العبودية، مشيرة إلى أن البلاد كانت ستتمكن من تحقيق تقدم أكبر بكثير لو لم ترث تلك الآثار.

وأوضحت غرانج أن جامايكا أنشأت في عام 2009 أول آلية وطنية للتعويضات في منطقة الكاريبي، بهدف معالجة الآثار طويلة الأمد للعبودية، والتي تقول إنها وضعت دولاً مثل جامايكا في وضع اقتصادي شديد الصعوبة وأضعفت قدرتها على مواجهة تحديات حديثة، بينها أزمة المناخ.

وقالت: "لقد ورثنا أنظمة لا تزال تحرم بلدنا وشعبنا من حقوقهم"، مشيرة إلى آثار العبودية في مجالات التعليم والصحة وحتى العادات الغذائية، نتيجة الأطعمة التي كان يُفرض على أسلافهم تناولها.

وبين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر، اختُطف أكثر من 12.5 مليون إفريقي ونُقلوا قسراً إلى الأمريكتين، حيث بيعوا واستُعبدوا.

من جانبه، قال رالف غونسالفيس، رئيس وزراء سانت فنسنت والغرينادين السابق وأحد الشخصيات البارزة في حركة المطالبة بالتعويضات الكاريبية، إن آثار الماضي لا تزال حاضرة بقوة في الحاضر.

وأضاف أن ما تواجهه دول المنطقة اليوم من تخلف اقتصادي يمكن تتبع جذوره إلى إبادة السكان الأصليين واستعباد الأفارقة، مؤكداً أن الدول الأوروبية "أصبحت أكثر ثراءً نتيجة استعباد الأفارقة".

وتأتي الخطوة الجامايكية في ظل تصاعد الدعوات الدولية إلى اعتراف بريطانيا والقوى الاستعمارية السابقة بالعبودية عبر الأطلسي باعتبارها جريمة، والدخول في مسار لتحقيق العدالة التعويضية.

وفي مارس الماضي، صوتت 123 دولة لصالح قرار تاريخي في الأمم المتحدة وصف العبودية القائمة على الاتجار بالبشر باعتبارها "أشد الجرائم خطورة ضد الإنسانية". وفي يونيو، طرحت دول الكاريبي بياناً يحدد الأسس الأخلاقية والقانونية للمطالبة بالتعويضات، بينما قالت لجنة أممية الشهر الماضي إن الدول ملزمة قانونياً بالنظر في مسألة التعويضات عن تجارة العبيد عبر الأطلسي واتخاذ إجراءات لمعالجة الإرث المستمر للتمييز العنصري.

وامتنعت بريطانيا، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية، عن التصويت على قرار الأمم المتحدة في مارس، فيما رفض رئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر في أكتوبر 2024 إدراج قضية التعويضات عن العبودية على جدول أعمال اجتماع رؤساء حكومات الكومنولث.

وقال قصر باكنغهام إن الملك تشارلز "أعرب في مناسبات عديدة عن التزامه الشخصي والصادق بتعزيز فهم أكبر لقضية العبودية وإيجاد سبل لمعالجة الأخطاء التاريخية بما يعود بالنفع على المجتمعات اليوم".

وخلال زيارة الوفد إلى بريطانيا، أُقيمت الأحد مراسم تأبين في كنيسة بمنطقة بريكستون في جنوب لندن، فيما من المقرر أن يلتقي الوفد خلال الأسبوع عدداً من أعضاء البرلمان البريطاني.

كما تشمل الزيارة مباحثات في المتحف البريطاني بشأن إعادة قطع أثرية جامايكية إلى بلدها.

وقالت غرانج إن مسعى جامايكا لا يتعلق فقط بالتاريخ، بل بالإنسانية والقدرة على التعايش والعمل المشترك والاحترام المتبادل، مضيفة أن بلادها ستستغل جهودها من أجل "العدالة التعويضية" للترويج أيضاً لقيمها التي تختصرها عبارة "الحب الواحد" التي ارتبطت بإرث نجم الريغي الراحل بوب مارلي.

 

التالي تحذير للآباء..صورة «العودة إلى المدرسة» قد تكشف عنوان منزلكم وتعرّض أطفالكم للخطر