هل اعتنق الملك تشارلز الإسلام سرّاً؟ الحقيقة وراء الملك الذي يقتبس من القرآن ويدافع عن المسلمين؟!.
لندن- عرب لندن
منذ أكثر من ثلاثة عقود، يتحدث الملك تشارلز الثالث عن الإسلام بلغة نادراً ما تصدر عن شخصية غربية بهذا المستوى. فقد أشاد بالحضارة الإسلامية، ودافع عن المسلمين، وزار المساجد والمراكز الإسلامية، وحاول تعلّم العربية، كما استشهد بآيات من القرآن الكريم في عدد من خطاباته.
ومع كل ظهور جديد له وهو يتحدث بإيجابية عن الإسلام، تعود الشائعة ذاتها: هل الملك تشارلز مسلم؟ وهل اعتنق الإسلام سرّاً منذ سنوات؟
بعد مراجعة خطاباته الرسمية، وتصريحاته الدينية، والمصادر التاريخية والقانونية، يمكن القول بوضوح: لا يوجد أي دليل موثوق يثبت أن الملك تشارلز اعتنق الإسلام، بينما توجد تصريحات حديثة وصريحة منه تؤكد أنه مسيحي أنجليكاني ملتزم.
لكن ذلك لا ينفي حقيقة أخرى مهمة: تشارلز يُعد من أكثر ملوك بريطانيا اهتماماً بالإسلام، وإعجاباً بحضارته، وحرصاً على الدفاع عن المسلمين والتقريب بين الأديان.
من أين بدأت قصة إسلام الملك تشارلز؟
تعود جذور الشائعة إلى رواية انتشرت عام 1996، حين نُقل عن رجل دين وُصف بأنه مفتي قبرص قوله إن الأمير تشارلز، كما كان يُعرف آنذاك، اعتنق الإسلام خلال زيارة إلى تركيا.
وجاء في الرواية المنسوبة إليه:
هل تعلم أن الأمير تشارلز اعتنق الإسلام؟ نعم، إنه مسلم… حدث ذلك في تركيا.
غير أن هذه الرواية لم تكن مصحوبة بوثيقة، أو شهادة مستقلة، أو إعلان من تشارلز نفسه. كما أن المصادر اللاحقة اختلفت حتى في تحديد اسم رجل الدين الذي أطلقها. وفي ذلك الوقت، ردّ متحدث باسم قصر باكنغهام على الادعاء بكلمة واحدة: "هراء".
ومنذ ذلك الحين، لم يظهر خلال نحو ثلاثة عقود أي دليل جديد يثبت القصة، لكنها ظلت تعود إلى مواقع التواصل كلما تحدث تشارلز عن الإسلام أو زار بلداً مسلماً. وقد تناولت الجزيرة العربية أصل الادعاء وردّ القصر عليه.
وفي مارس/آذار 2026، اكتسبت الشائعة زخماً جديداً عندما قال عمدة نيويورك السابق رودي جولياني، خلال مقابلة مع بيرس مورغان، إن تشارلز «قد يكون ملك إنجلترا المسلم». لكنه لم يقدم أي دليل على قوله، ولذلك بقي تصريحه مجرد تكهن أعاد تدوير الشائعة القديمة.
لماذا يعتقد بعض الناس أنه مسلم؟
لا تقوم الشائعة على دليل مباشر، وإنما على مجموعة مواقف حقيقية جرى تفسيرها على أنها علامات اعتناق للإسلام.
خطابه التاريخي: "الإسلام والغرب"
في 27 أكتوبر/تشرين الأول 1993، ألقى الأمير تشارلز محاضرته الشهيرة «الإسلام والغرب» في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية. وقال فيها إن درجة سوء الفهم بين العالمين الإسلامي والغربي لا تزال مرتفعة بصورة خطيرة، وإن حاجة الجانبين إلى العيش والعمل معاً أصبحت أكبر من أي وقت مضى.
وأوضح أن الإسلام ليس حضارة غريبة عن الغرب، بل جزء من تاريخه، وتحدث عن إسهام المسلمين في الأندلس في العلوم والثقافة والفلسفة ونقل المعرفة إلى أوروبا. كما أكد القيم المشتركة بين الإسلام والمسيحية واليهودية، ومنها الإيمان بالله، والعدالة، والرحمة، واحترام الأسرة ورعاية الفقراء.
لكن تشارلز نفسه استهل المحاضرة بقوله إنه ليس خبيراً في الإسلام؛ أي إنه كان يتحدث بصفته مهتماً بالحوار الحضاري، لا بصفته مسلماً يعلن عقيدته.
استشهاده بالقرآن الكريم
في ديسمبر/كانون الأول 2009، حضر تشارلز حفل الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس منظمة الإغاثة الإسلامية، وأشاد بأعمالها الإنسانية، ثم استشهد بالآية 32 من سورة المائدة:
وجاء استشهاده بالآية في سياق الإشادة بإنقاذ الأرواح وتقديم المساعدات للمتضررين، وليس في سياق إعلان ديني شخصي. وقد نشر الموقع الملكي النص الكامل لكلمته.
وفي رسالة إلى المسلمين بمناسبة شهر رمضان خلال جائحة كورونا عام 2020، استشهد أيضاً بقوله تعالى:
"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا".
ويمكن الاطلاع على الرسالة الرسمية على موقع العائلة المالكة.
لكن الاقتباس من القرآن، مهما كان جميلاً ومعبّراً، لا يمثل بذاته إعلاناً باعتناق الإسلام؛ مثلما لا يعني اقتباس شخصية مسلمة من الإنجيل أنها اعتنقت المسيحية.
محاولته تعلّم اللغة العربية
في عام 2013، كشفت تقارير صحفية أن تشارلز كان يتلقى دروساً خاصة في اللغة العربية. وقال مازحاً إن اللغة كانت «تدخل من أذن وتخرج من الأخرى»، في إشارة إلى صعوبتها بالنسبة إليه.
وربطت التقارير ذلك باهتمامه بفهم القرآن بلغته الأصلية وبقراءة النقوش العربية خلال زياراته للمنطقة. غير أن محاولة تعلم العربية أو دراسة القرآن تعبّر عن اهتمام معرفي وثقافي، ولا تكفي دليلاً على تغيير العقيدة.
علاقته الطويلة بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية
يتولى تشارلز رعاية مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية منذ عام 1993. وفي يوليو/تموز 2025، زار المركز للاحتفال بمرور أربعين عاماً على تأسيسه، وافتُتح جناح يحمل اسم "الملك تشارلز الثالث".
وتؤكد هذه العلاقة اهتمامه الحقيقي بالدراسات الإسلامية والحوار بين الحضارات، لكنها علاقة رعاية أكاديمية وثقافية معلنة، وليست دليلاً على اعتناق الإسلام. وقد وثّق الموقع الملكي الزيارة وتاريخ علاقته بالمركز.
ماذا قال تشارلز صراحة عن ديانته؟
هذه هي النقطة التي تحسم الجدل.
بعد أيام من اعتلائه العرش، اجتمع الملك تشارلز بقادة الأديان في قصر باكنغهام في 16 سبتمبر/أيلول 2022، وقال بوضوح لا يحتمل التأويل:
"أنا مسيحي أنجليكاني ملتزم".
وأضاف أن معتقداته المسيحية تضع المحبة في جوهرها، ولذلك يشعر بأنه ملزم باحترام من يتبعون طرقاً دينية وروحية أخرى، وكذلك من لا يعتنقون ديناً.
إذن، احترام الأديان الأخرى في نظره ليس بديلاً عن مسيحيته، بل نتيجة لفهمه الخاص لها. والنص منشور في الموقع الرسمي للعائلة المالكة.
وفي 28 أبريل/نيسان 2026، أي بعد عودة شائعة إسلامه إلى التداول، قال أمام الكونغرس الأمريكي:
"الإيمان المسيحي بالنسبة إليّ مرساة راسخة ومصدر إلهام يومي".
كما تحدث عن عيد الفصح باعتباره المناسبة التي تعزز الأمل في داخله. وهذا من أحدث تصريحاته الشخصية عن عقيدته، ويمكن الرجوع إلى الخطاب الرسمي كاملاً.
ماذا عن وصفه بأنه حامي جميع الأديان؟
أثار تحديث حديث لوصف دور الملك الديني مزيداً من الجدل، بعدما أصبح الحديث عن مسؤوليته في حماية "مساحة الإيمان داخل دولة متعددة الأديان".
لكن هذا الوصف لا يعني أن الملك تخلّى عن المسيحية أو أصبح مسلماً، وإنما يعكس تصوره لدور الملك في بريطانيا الحديثة: ملك مسيحي دستورياً، لكنه مسؤول عن مواطنين من المسلمين واليهود والهندوس والسيخ وأتباع بقية الأديان، إضافة إلى غير المتدينين.
ولا يزال الملك يحمل رسمياً لقب «المدافع عن الإيمان والحاكم الأعلى لكنيسة إنجلترا»، كما يؤكد الموقع الملكي الرسمي.
وعند تتويجه في مايو/أيار 2023، أدى القسم بالمحافظة على كنيسة إنجلترا، ومُسح بالزيت على يد رئيس أساقفة كانتربري، وتناول القربان المقدس خلال مراسم مسيحية أنجليكانية.
كما يشترط النظام الدستوري البريطاني أن يكون الملك بروتستانتياً ومتحداً كنسياً مع كنيسة إنجلترا. ولذلك فإن اعتناق الملك ديناً آخر علناً لن يكون مسألة شخصية بسيطة، بل سيخلق تعارضاً مباشراً مع الشروط القانونية والدستورية للعرش، وفق ما توضحه وثائق البرلمان البريطاني.
الخلاصة: مسيحي يحترم الإسلام، وليس ملكاً مسلماً
النتيجة التي تقود إليها الأدلة واضحة: الملك تشارلز ليس مسلماً بحسب كل ما هو معلن وموثق، ولا يوجد دليل موثوق على أنه اعتنق الإسلام سراً. أما الرواية المتداولة، فمصدرها ادعاء قديم غير موثق، نفاه قصر باكنغهام، ثم أعادت مواقع التواصل وبعض الشخصيات الإعلامية إحياءه دون تقديم أدلة جديدة.
وفي المقابل، من الخطأ أيضاً التقليل من أهمية موقفه تجاه الإسلام. فإعجابه بالحضارة الإسلامية ليس مجاملة دبلوماسية عابرة، بل اهتمام فكري استمر أكثر من ثلاثين عاماً. لقد دافع عن المسلمين عندما ربط بعضهم الإسلام بالإرهاب، وأشاد بتعاليم القرآن في الرحمة والبيئة وحماية الحياة، واعترف بفضل الحضارة الإسلامية على الغرب، وعمل على بناء جسور حقيقية بين الأديان.
ربما لا تكمن أهمية قصة تشارلز والإسلام في السؤال عما إذا كان قد أصبح مسلماً، بل في سؤال أكثر عمقاً: لماذا أصبح احترام شخصية غربية للإسلام غريباً إلى درجة أن البعض لا يستطيع تفسيره إلا باعتناقها له؟
الحقيقة أن الإنسان يستطيع أن يتمسك بدينه، وفي الوقت نفسه ينصف ديناً آخر ويحترم أتباعه ويتعلم من حضارتهم. وهذا، على الأرجح، هو التفسير الأدق لعلاقة الملك تشارلز بالإسلام والمسلمين.