عرب لندن

كشفت صحيفة "التايمز" The Times عن سوق سوداء مزدهرة داخل المملكة المتحدة تُباع فيها شهادات كفالة لتأشيرات العمالة الماهرة مقابل آلاف الجنيهات، في صفقات لوظائف غير موجودة على أرض الواقع، ضمن مخطط منظم يهدف إلى التحايل على وزارة الداخلية وتمكين مهاجرين من البقاء بشكل غير قانوني في البلاد.

وفي أحد مطاعم شرق لندن، وثّق التحقيق وكيل تأشيرات يشرح تفاصيل العملية، غير مدرك أنه يُصوَّر سرًا، حيث يحصل المهاجر المهدد بالترحيل على شهادة كفالة من شركة مرخصة، وسيرة ذاتية مزورة، وسجلات رواتب وحسابات مصرفية تُظهر دخلاً سنويًا يصل إلى 55 ألف جنيه إسترليني، رغم أن الوظيفة غير موجودة ولا يؤدي العامل أي عمل فعلي. 

ومقابل ذلك، يدفع المهاجر رسومًا تصل إلى 13 ألف جنيه إسترليني، إضافة إلى مبالغ شهرية لإبقاء الكفالة سارية، مع إلزامه بإعادة راتبه الورقي إلى حساب آخر.

وأوضح التحقيق أن هذه الصفقة ليست استثناءً، بل واحدة من آلاف العمليات التي رُصدت خلال أربعة أشهر، حيث تحدث الصحفيون مع 26 وسيطًا وممثلًا لشركات، ووثقوا أكثر من 250 عرضًا لوظائف وهمية في قطاعات تشمل الضيافة، والرعاية الاجتماعية، وتكنولوجيا المعلومات، والمالية، والتسويق، والتصميم الجرافيكي. وتُمنح هذه الكفالات عبر شركات تحمل تراخيص رسمية من وزارة الداخلية، ما يمنح الطلبات مظهرًا قانونيًا كاملًا.

ويستغل الوسطاء نظام تأشيرة العمالة الماهرة الذي أُطلق عام 2020، والذي يتيح التقدم للإقامة الدائمة بعد خمس سنوات، عبر إنشاء سجلات عمل ورواتب وضرائب مزيفة يمكن استخدامها لاحقًا لإثبات “الاستمرارية الوظيفية”. بعض المهاجرين يعملون نقدًا في الاقتصاد غير الرسمي، بينما يروج الوسطاء لإمكانية العمل الجزئي أو تشغيل المعالين لتوفير دخل فعلي.

وفي مدينة ليستر، التقت الصحيفة بوسيط عرض كفالة “راتب فقط، بلا عمل”، من خلال شركة لا تمتلك موظفين فعليين ولا أصولًا تُذكر، لكنها مسجلة رسميًا وتحمل ترخيص كفالة. أوضح أن الشركة ستسجل العامل لدى مصلحة الضرائب، وتُنشئ كشوف رواتب مزورة، بينما يُعاد كامل الراتب إلى الشركة مع تغطية “ضرائب صاحب العمل”، مؤكدًا: “على الورق، كل شيء يبدو سليمًا”.

وأشار التحقيق إلى أن الطلب على هذا النوع من الكفالات تصاعد بعد تشديد الحكومة قواعد النظام، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتقليص الوظائف المؤهلة، ما دفع بعض المهاجرين الذين دخلوا البلاد بشكل قانوني إلى اللجوء إلى السوق السوداء بعد فقدان كفالتهم. وتؤكد الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة أن النظام بات عرضة للاستغلال، مع تزايد تراخيص الكفالة المستخدمة في عمليات احتيالية.

ورغم أن بيع الكفالة محظور قانونًا والعقوبة قد تصل إلى السجن، إلا أن الملاحقات الجنائية نادرة، وغالبًا ما تكتفي وزارة الداخلية بتعليق أو سحب التراخيص، بل إن بعض الشركات تستعيد تراخيصها لاحقًا. وأقرت الوزارة بأنها لا تحتفظ ببيانات مركزية حول عدد الإحالات الجنائية بحق الكفلاء المخالفين.

وأظهرت بيانات ActionFraud ارتفاع بلاغات الاحتيال المرتبطة بالكفالات من ثلاث حالات فقط عام 2021 إلى أكثر من 500 حالة خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الماضي. وتشمل الأساليب الاحتيالية استنساخ مواقع شركات، وانتحال هويات مدراء، وابتزاز ضحايا بمبالغ كبيرة. وقالت امرأة خسرت 20 ألف جنيه إسترليني إنها شعرت بأن “خيارها الوحيد هو الموت” بعد تراكم الديون.

ويُعد الحصول على تأشيرة عبر الخداع جريمة جنائية قد تؤدي إلى الترحيل أو الحظر أو السجن. ومع ذلك، يرى خبراء أن ضعف الرقابة والعقوبات المخففة شجع على ازدهار هذا “اقتصاد الوسطاء”. وقال كبير مستشاري الهجرة في الحكومة إن من يديرون هذه المخططات لا يقلون خطرًا عن شبكات تهريب البشر، داعيًا إلى ملاحقات جنائية حقيقية.

ورغم إعلان وزارة الداخلية تشديد إجراءات الامتثال وسحب ما يقرب من ألفي ترخيص كفالة خلال عام واحد، فإن التحقيق يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الحكومة على ضبط النظام، في وقت تتصاعد فيه الضغوط السياسية بشأن الهجرة، وتستمر السوق السوداء في العمل علنًا عبر منصات التواصل الاجتماعي.

السابق المملكة المتحدة تخفف قيود السفر إلى العراق
التالي قاضٍ اسكتلندي يسمح بالمضي في مراجعة قضائية لحظر حركة Palestine Action